مؤسسة الشهيدين الصدرين ترحب بكم

نورتونا ونتمنى لكم اوقات ممتعة
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصة قصيرة محمود يعقوب الـشـــــــــــــطرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علي البصراوي
مشرف قسم
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 181
العمر : 35
الاسم المستعار : علي البصراوي
صورة شخصية :
تاريخ التسجيل : 18/09/2008

مُساهمةموضوع: قصة قصيرة محمود يعقوب الـشـــــــــــــطرة   الأربعاء نوفمبر 12, 2008 1:50 am


الحب من آخر نظرة
---------------------------------------- ---------

(في عالم الجور هذا ، استل˚ انفاسك الماً لتروي قصتي )
وليم شكسبير

انها قصتي .. قصتي وحدي وحسب !.. ذلكم ان شفار الحراب وأنصال السكاكين التي ما فتأت تعيث في حشاشتي وتحز شراييني حتى تخلفني روحاً مفتتةً وجسداً منزوفا !..
منذ ان ندهتني وقالت ( ايها السيد النجار تعال وفكك أول الأحلام وآخرها فتنة ) ، سحقني الهم سحقا واحتلّ جوانحي ، ودنا اليأس مني وشاركني التبغ بصمت مطبق ..
على موعدي جئت ..ورحت اعمل بصمت ..صمت تتوقد فيه الأحاسيس التي يقشعر لها بدني كل حين . كان صمتاً جليلاً ومهيباً يرين على ذلك البيت القديم .. صمت أزرق اللون ..أزرق كالموت يقطعه صرير دفع الآثاث في سيارة الحمل – الواقفة عند باب البيت المفتوح على مصراعيه - من آن الى آن.. الصرير الذي يفرط جوق العصافير على السدرة كلّما اشتدّ .
حين لاحت مني التفاتة من داخل الغرفة التي أعمل فيها، وعبر شباكها المفتوح تماماً ،المطلّ على باحة البيت المكشوفة ، التي تتوسطها تلك السدرة الوارفة ، كانت المرأة تعتمد بظهرها على جذع الشجرة .. ملفعة بالحرير الأسود المفزوع ، راميةً طرفها الساهم مثل حمامات البرّ .
في بعض الأحيان ، نسمع حقائق مؤثرة دون أن تحرك عواطفنا كثيراً . لا لأنها امور مسلّم بها .. لا أبدا بل ربما لكثرة ما نسمع وما نرى ، او ربما لأسترخاء وجداننا وتكاسله !.. وأنا أقول ذلك لكوني أعرف تلك المرأة معرفة لا بأس بها ، دون ان تعني لي هذه المعرفة شيئاً كثيرا . وفي الواقع لم تدفعني هذه المعرفة الى شيء سوى أن أكنّ لها بعض التعاطف والأحترام ..
كنت أعرف عنها مثلاً ان عتاة دهموا بيتها قبل سنين ، وأوثقوا زوجها ، وحملوه مثل كيس ملفوف ، ورموه في سجن يحمل من الأرقام أولها .. التهمه ذلك السجن ولم يعد أحد يسمع عنه شيئاً فيما بعد !.. وعقب سنوات أخر، وكأن الزمان والقتلة لم يتبدلا ، عثر الناس على جثة ابنها مرمية في ناحية ، وسيارته الأجرة مرمية في ناحية آخرى !.. ابنها الوحيد .. ابنها الذي كان يرعاها ويرعى أخته لوحده من بعد أبيه..
أفردت الأم جناحيها وضمّت ابنتها ، وعاشتا وحيدتين منسيتين..
عبر الشباك ، كانت الشفقة والألم يجرجران أنظاري الى المرأة ، حتى صار بامكاني أن أرى دمعاً حجرياً مبعثراً في مآقيها ، وأسمع صدى نشيج ٍٍٍ ضارٍ يتردد في أساريرها المرهفة .
في هذا البيت ، تقاسمت المرأة مع ابنتها رغيف الوحشة والحرمان أياماً طويلةً .. ومثلما يحدث للبنات عادةً ، جاءت سيارات العرس لتخطف البنت من حضن امها على صوت زغاريد الفراق المرير..
أمسيت أعمل ومشاعر متباينة تنتفض في دخيلتي ، وانا أرسل البصر أرمقها بين حين وآخر . بعد طول وقوف جلست بهدوء تحت الشجرة . كانت ساكنة تماماً ، تلك السكينة التي لم تكد تمنع جيشان كارثة تضطرم في كيانها ،
تتأجج من بين عينيها وحتى أنامل قدمها التي تضرب الأرض بايقاعٍ مضطرب !..
ما معنى أن تنزلق من منحدرٍٍ عالٍ وتسقط في الصفر ؟..منطرحاً على ظهرك في الصفر تحدق في القمم البعيدة عبرضباب كثيف وآمالك مبعثرة مثل رميم الفخار في القاع السحيق !.. ما معنى حياتك مطعوناً بمهارةٍ ، ومتضرجاً حدّ الموت؟.. انك بلا ريب لا يمكن ان تدرك جوهر ذلك حقاً الاّ اذا كنت تحتضر فعلا..
هاهي الآن كابية مستوحشة ، مثل أثرٍ تاريخي ناءٍ في البريّة متسربل بملاءة الوحدة القاسية !.. جرداء تساقطت أحلامها ورقة ورقة . وأمسى لا مناص لها من غلق بيتها والعودة الى أهلها لتدفن نفسها هناك الى الأبد ..
تملكني ضيق وانقباض سريع، وأخذت أشعربسخونة تتصاعد في صدري ..وكانت هي تلتف على نفسها وقد جلست الآن على الأرض طارقةً..
وحالما انتهيت من تفكيك الآثاث الخشبية حتى بادر الحمالون برفعها الى الخارج. بينما نهضت هي واجمة ونفضت عباءتها ، كمن أعطى كل مافي جرابه وخرج حسيرا . ثم بادرت الى زاوية من البيت عادت منها بسلسلة وقفل . وما ان جمعت عدة عملي ودنوت منها ،تيقنت انها كانت تذرف دمعاً مرسلاً .
في الشارع كان المساء مهجوراً وقائظاً ، الأضواء الصفراء تنشر الواناً من الكآبة وتفضح نثار غبار عفن . تصاعدت السخونة حتى بلعومي ورحت أحسّ بشيء غروي كثيف داخله ، حاولت جاهداً ان أقذف به .
بعد ان أنهى الحمّالون عملهم ، بادرت المرأة الى اقفال الباب الحديدي . بينما استدرت بوجهي نحو سياج البيت لأصلح هندامي ، ولفت انتباهي دغل غريب لم أره أو أعرفه من قبل ،ناتئاً من أسفل السياج ،يبدو امتداداً لحديقة البيت .نبت يبدأ بوريقات صغيرة تأخذ بالكبر تدريجياً ، ثم تنتهي بساق مستقيم خالٍ من الأوراق ..
تلكأت المرأة كثيراً في اقفال الباب ، وحين رمقتها كانت تنتحب راجفةً ولم يعد بأمكانها ضبط السلسلة !.. كنت أرنو اليها وأنا أشعر بدوارٍ ورغبة في القيء . تقدم منها سائق العربة ، وهوّن عليها ، وأخذ منها القفل والسلسلة ، وراح يغلق الباب ..
بعد لحظات صار الجميع داخل العربة التي هدر محركها . رحت أشعر بوطئة الحر وسورة الغثيان في صدري ، وثقل أقدام تدوس هامتي . بدأ جسدي يهتزّ وساقاي ترتجفان . استندت الى السياج محاولاً عبثاً ان ألقي ما في جوفي من نارٍ ، حتى غامت الرؤى في عينيّ ، وهويت الى الأرض متشبثاً بسيقان الدغل الغريب فاقداً وعيي !.. لا أدري ماذا حصل بعد ذلك ، الاً انني فتحت عينيّ الغائمتين على يد الحمال وهو يفرك صدري ويمسح على وجهي ، بينما وقف الحمال الآخر يستنطقني ..
رفعت بصري بتثاقل نحو السيارة ، وقد فتحت المرأة بابها وألقت برأسها نحوي ، وعيناها الشاخصتان المليئتان بالجمر تسكبان النار في عيني .. على طرف ذقنها كان هناك وشم أخضر يضفي على الوجه الملائكي كآبة عظيمة .. كانت امرأة شريفة كالسماء .. امراة من سكّر الله وتمره الهندي .. كانت توميء اليّ ولا أسمع ما تقول . حدّقت في عينيها متعباً ،فأرتعدت واهتز كياني ، ذلك اني أحسست بتيار حب ٍ جارف يغرقني ويلقيني صريعا .. حب لن تعرفوه ولن تجربوه أبداً ، ذلك لأنه حب من آخر نظرة .

_________________
عراقي ومو عراقي شلون ما جان
مو لبطون تطلكَني الزلازل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة قصيرة محمود يعقوب الـشـــــــــــــطرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مؤسسة الشهيدين الصدرين ترحب بكم :: الادبية والثقافية :: قصص & روايات-
انتقل الى: